متى ينتهي دور الوالدين في تعليم أبنائهم القراءة والكتابة؟

كم نحتاج من الوقت حتى نشعر أننا قمنا بواجبنا تجاه تعليم أبنائنا القراءة والكتابة؟ ولكي نشعر بالاطمئنان في واجبنا تجاههم.

لا أشك في أن هذا السؤال سيبقى ملازمًا لنا لفترة طويلة، ولا أشك في أننا سنبقى نشعر بعدم اليقين تجاه ما قمنا به، أو بالأصح تجاه كفاية ما قمنا به نحوهم في هذا الجانب، فنحن سنشعر دائمًا أننا مقصرون وأن ما قمنا به ليس كافيًا لكي يقرؤوا، كي ينجحوا، كي يتعلموا، كي يفهموا الحياة بما لها وما عليها وبكل تفاصيلها.

حين يتهجى أحد أطفالنا كلمة ليقرأها، أو يستخدم مهارات الوعي الصوتي ليكتبها، ويتعثر في ذلك لأي سبب، كأن تكون الكلمة صعبة عليه، أو أنه يسمعها لأول مرة، أو أنها تتضمن همزة متوسطة أو متطرفة وتتطلب شكلا مخصصا للكتابة أو طريقة مخصصة للكتابة بحسب موقعها الإعرابي، سنشعر أن ما فعلناه خلال السنوات الماضية ليس كافيًا، أو ربما نشعر بشيء آخر وهو التحسر على الجهد الذي ضاع ونحن نعلمهم ولكن دون فائدة.

لو فكرنا في الموضوع أكثر، ونظرنا إلى أنفسنا قبل أن ننظر إليهم، سنجد أننا نتعلم كل يوم شيئًا جديدًا، سواء في القراءة والكتابة أو في أي مهارة أخرى في أي جانب من جوانب شخصيتنا، لأن الطبيعي أن يتعلم الإنسان الجديد دائمًا، وأن يتطور، وأن يشعر بالتغير مع مضي الوقت، لا أن يتعلم كل شيء وهو صغير ثم يتوقف عن التعلم. فإذا كنا نتعلم كل يوم كيف نرفض أن يتعلم أطفالنا كل يوم، ولماذا نعتقد أن عليهم يتمكنوا من مهارات القراءة والكتابة عند سن معين ثم نُصاب بالإحباط حين نرى أنهم لا يتقنون جميع المهارات، أو يتعثرون في مهارة معينة؟

من واجبنا أن نكون سندًا وعونًا لأطفالنا، وأن نشعرهم بأننا موجودون لدعمهم وتمكينهم مما يحتاجون إليه من مهارات، وليس لتحبيطهم وإشعارهم بأنهم لم يتعلموا كفاية ما يجب أن يتعلموه حتى هذا العمر أو ذاك.

أكتب هذا الكلام وأنا واحدة من الذين يشعرون بالإحباط أحيانا، وينقلون هذا الإحباط لأبنائهم أحيانا أيضا، حين أرى أن واحدة من ابنتيّ تعثرت وهي تقرأ في إحدى المهارات التي تُعتبر متقدمة بالنسبة لسنّها، ولكني سريعًا ما أنتبه إلى خطئي، وإلى أنني أرفع سقف توقعاتي كثيرًا دون مراعاة الجانب التطوري الطبيعي الذي يمر به كل إنسان، وأن الطفل يحتاج في أحيان كثيرة إلى الممارسة والتكرار حتى تثبت المعلومة لديه، وأن المعلومات النظرية والمهارات التي نقدمها بشكل سريع و”هوائي” لا تثبت في مكانها كما يحدث عندما نمارسها معًا.

أجد العذر لنفسي أحيانا لأنني أكون قد قمت بواجبي هذا، وقدمت المهارة في سياق عملي، ومارسنا وكررنا معًا، ثم أتفاجأ بعد حين من الزمن بالخطأ يتكرر، وكأنني لم أفعل شيئًا، فأمر بحالة الإحباط هذه، لكن الطفل ينسى كثيرًا، كما يتذكر كثيرًا، ربما هو انتقائي في هذا الأمر، وفي تراوحه بين التذكر والنسيان، بين ما يتذكره بإرادته وما ينساه بإرادته، وبين ما يلحّ على ذهنه دون قصد أو وعي منه وما يتفلت منه دون أن يشعر، أقول ربما، لكن في كل الأحوال المطلوب منا هو طول البال، والتحمل، والتكرار ثم التكرار ثم التكرار.

المهم هو أن نجعلهم يمارسون ويقرؤون باللغة العربية دائمًا، وأن يكون هذا جزءًا أساسيًّا في روتينهم اليومي، هذا دورنا تجاههم وعلينا ألا نغفله.

في النهاية أعود لسؤال البداية..

كم من الوقت نحتاج لنشعر بالطمأنينة تجاه ما قدمناه لأطفالنا؟

أعتقد أننا سنحتاج وقتًا طويلا، لا أستطيع أن أحدده، لكني لا أستبعد أن نحتاج للمراجعة والتثبيت طوال العمر، لا أستبعد ذلك إطلاقًا.

د. فاطمة البريكي

خبير تربوي في الطفولة المبكرة

تعليقك يسعدنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.