قلبي ينكسر

هذا ما قالته لي ابنتي ماريا بعد أن فارت أعصابي حين اكتشفت أنها لم تنجز مهمة تلخيص كتب (تحدي القراءة) كما كنت أريد، أو أتوقع.

بعد أن هدأت قليلا، وجلستُ معها لأساعدها في إنجاز المطلوب الذي لم تكن على دراية كافية به بحسب ما ظهر لي في تلك اللحظة التي كنت أتوقع أنها انتهت من المطلوب وعليها الاستعداد للنوم.

حين اكتشفت لم أتمكن من تمالك أعصابي، وظهر ذلك واضحًا من خلال الإحباط الذي ارتسمت أماراته على وجهي، والصوت الذي ارتفع بشكل تدريجي، وعبارات الحسرة على الوقت الذي ضاع دون أن أتأكد من أنها تقوم بما ينبغي أن تقوم به، وهي الطفلة الصغيرة ذات السبع سنوات.

لم أكن أرى نفسي طبعًا، لكني كنت أستطيع أن أرى الحالة التي كنتُ عليها من ملامح ماريا التي تصيبها حالة من التيبس حين أصاب تكون ردة فعلي هكذا دون أن أشعر بنفسي.

أمزجتنا تحكمنا

لا أنكر أنني كنتُ طوال يوم أمس في حالة مزاجية سيئة، وتركتها لأختها كي تقوم بتلك المهمة التي لم نُمنح عليها الوقت الكافي من إدارة المدرسة، وصادفت عطلة نهاية الأسبوع التي ننتظرها نحن الأمهات أكثر من الأطفال أنفسهم،

وزادني سوءًا في المزاج وحزنًا وكآبة حقيقية خبرُ العائلة السودانية التي توفيت عطشًا في الصحراء الليبية.

ماريا اختفت من أمامي لا أعرف إلى أين. ووالدها غادر المكان ليحضر نسخة من الجواز الأحمر لتبدأ التلخيص قبل أن تنام بسبب عدم وجود فرصة لتأخير الأمر لليوم التالي.

أما أنا فبقيت منكمشة في مكاني، وأتذكر وجه ابنتي. تألمت كثيرًا وأنا أستحضر ملامحها لكن لم أتوقع أن ألمها كان أكثر من أن أتخيله.

ذهبتُ بوجه يحاول أن يكون حنونًا مع صعوبة الانتقال من حال إلى حال دون أن نشعر أننا مرضى نفسيون نتقلب في لحظة ما بين الغضب والرضا، والحزن والفرح، والقسوة والحنان، لكن هذا ما يجب أن يحدث حتى لا تستمر المأساة أكثر.

كيف تصرفت؟

ناديتُها وجاءت ركضًا وفرحًا وهي تركز في عينيّ كي تتأكد أنني خلعتُ رداء الوحش وعدتُ أمًّا، وجلسنا، وبدأنا التخليص.

في لحظة مفاجئة وأنا معجبة بخطّها وطريقة كتابتها وتعبيرها عن أفكارها أثنيتُ عليها فشكرتني كأنها ترد على مجاملة بمجاملة مماثلة. ثم خطر على بالي أن أسألها إن كانت تحبني أو لا؟

فقالت إنها تحبني ولكن قلبها ينكسر حين “أعصّب عليها”.

حينها بكيتُ وحضنتها، وأكدتُ لها أن كل هذا سببه حبي لها ورغبتي في أن تكون أفضل بنت. مع أنه ليس عذرًا بالطبع، لكن هذا ما نقنع به أنفسنا، ونحاول إقناع أطفالنا به.

جلسة مع الذات

قبل النوم فكرتُ كثيرًا في علاقتي ببناتي وربما الكثيرات غيري،

الحب والرغبة في أن يصبح أطفالنا أفضل الناس بين يوم وليلة يجعلنا نقسو عليهم كثيرًا.

خوفنا من أن نفسدهم بالدلال يجعلنا نقسو عليهم كثيرًا.

رغبتنا في أن يكونوا كبارًا وهم ما يزالون صغارًا تجعلنا نقسو عليهم كثيرًا.

وضعنا الحالي وكوننا تحت الضغط من كل الجهات وعدم قدرتنا على إيجاد متنفس آخر غيرهم نفرغ فيه هذا الضغط يجعلنا نقسو عليهم كثيرًا.

الحياة منذ أكثر من عام تقسو علينا أكثر من المعتاد، ونحن نقسو عليهم أكثر من المعتاد أيضا.

ربما ننسى أن قلوبهم الصغيرة يمكن أن تنكسر بسرعة،

لكن علينا ألا ننسى ألا نكون نحن سبب كسر هذه القلوب الصغيرة الممتلئة بمحبة كبيرة لنا وللعالم كله،

وبمقدار ما نساعدهم ستبقى ممتلئة بها، وإلا ستفقد منها يوميًا شيئًا فشيئًا إلى أن تفرغ ونكون نحن السبب قبل أي أحد آخر. وحينها لات حين مندم!

قرارات 🙂

قررت قبل أن أنام أن أكون أكثر لطفًا وصبرًا في التعامل مع بناتي، وأن أتحكم أكثر في ردود أفعالي.

أيضًا قررت أن أقضي وقتًا أطول معهم من المعتاد.

أخيرًا قررتُ أن أذكّر نفسي بأنهم أطفال، ما زالوا أطفالا والله، لكني أنسى كل مرة!!

إن كنتم تعانون نفس معاناتي، أرجو أن تشاركوني خبراتكم وقراراتكم في مثل هذه الحالات.

د. فاطمة البريكي

4 comments

  1. فعلا هذا ما يصادفنا نحن الامهات لاننا نريد لابناءنا المثالية في كل شيء ولكننا نكتشف في نهاية المطاف بأن سلوكنا هذا جعل أبنادنا يخسرون أمورا أخرى.. فقررت أن أمسك العصا من الوسط ليستقيم كل شي بعون من الله.

  2. منذُ فترة كرهتُ أن أقرأ لأي شخص يدعي المثالية في تربيته لأبنائه، أحاول أن أربيهم بأفضل طريقة وألا أكسر قلوبهم لكني تصالحتُ مع فكرة أنني بشر🙂
    ولأنني بشر لا يمكنني أن أكون أمًّا مثاليةً على الدّوام🙃

    شكرًا لأنك كتبتِ بكل صراحة وشفافية شعورك وموقفك وقرارك كأم، ولا تدرين والله كم ينفعُ هذا بقية الأمهات بصورة لا تقل أبدًا عن ذكر المواقف التربوية الناجحة.

    كأم ومعلمة في الوقت نفسه وفي المكان نفسه، أجد صدري ضيقًا عليهم أحيانًا، ولكنني ما إن أشعر بمزاجٍ سعيد إلا وأنتهز الفرصة لأسعد أبنائي. >> وهذه فكرة جيدة😁
    فالغضب والقسوة (الخارجة عن السيطرة) يخفُّ تأثيرها بحسب ما ملأنا أرصدة أبنائنا من حُب وحنان وسعادة وذكريات جميلة.

    ومع هذا ينبغي أن نقدم أولوية العلاقة الجيدة على إتقان العمل المدرسي وإن كان مهمًا، إلا أننا لابد أن نترك فرصةً لأبنائنا ليخطئوا فيتحملوا نتائج أخطائهم ويحسّنوا عملهم في المرات القادمة، نحتاج إلى ملاحظات سريعة غير مشحونة بأي شعور سيء.. ” لقد أنقصتك المعلمة هنا بسبب كذا..” ، ” عملك كان جميلًا لكن ينقصه كذا..”
    ، ” سأمسح ماكتبتِ واكتبيه مرةً أخرى بخط أجمل وعلى السطر، طيب يا حلوة؟”

    وحفظ الله قلوبهم الصغيرة البريئة من ثقل همومنا وطموحاتنا💔

تعليقك يسعدنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.